علي بن محمد البغدادي الماوردي

294

أدب الدنيا والدين

هو واحد عصره وقريع دهره . وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع وتأثير في القلوب لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها ولا يؤثر تأثيرها لأن المعاني بها لائحة والشواهد بها واضحة والنفوس بها وامقة « 1 » والقلوب بها واثقة والعقول لها موافقة فلذلك ضرب اللّه الأمثال في كتابه العزيز وجعلها من دلائل رسله وأوضح بها الحجة على خلقه لأنها في العقول معقولة وفي القلوب مقبولة ولها أربعة شروط : أحدها صحة التشبيه . والثاني أن يكون العلم بها سابقا والكل عليها موافقا . والثالث أن يسرع وصولها للفهم ويعجل تصوّرها في الوهم من وغير ارتياء في استخراجها ولا كدّ في استنباطها . والرابع أن تناسب حال السامع لتكون أبلغ تأثيرا وأحسن موقعا . فإذا اجتمعت في الأمثال المضروبة هذه الشروط الأربعة كانت زينة للكلام وجلاء للمعاني وتدبرا للأفهام . ( الفصل الثاني في الصبر والجزع ) اعلم أن من حسن التوفيق وأمارات السعادة الصبر على الملمات والرفق عند النوازل وبه نزل الكتاب وجاءت السنة قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا « 2 » وَرابِطُوا « 3 » وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني اصبروا على ما افترض اللّه عليكم وصابروا عدوّكم . ورابطوا فيه تأويلان : أحدهما على الجهاد . والثاني على انتظار الصلوات . وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أدلكم على ما يحبط اللّه به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول اللّه قال : إسباغ الوضوء عن المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط » فنزل الكتاب بتأكيد الصبر فيما أمر به وندب إليه وجعله من عزائم التقوى فيما افترضه وحث عليه . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب » وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : الصبر مطية لا تكبوا والقناعة سيف لا ينبو . وقال عبد الحميد : لم أسمع أعجب من قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لو أن الصبر

--> ( 1 ) وامقة : عاشقة . ( 2 ) وصابروا : غالبوا أعداء اللّه بالصبر في مواطن الحروب . ( 3 ) ورابطوا : أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها ، مترصدين للغزو ومستعدين له .